|
سورية في الذكرى 62 لتأسيس البعث ثبات الموقف واستمرار النهج القومي
لشهر نيسان وقعه الخاص في حياة سورية و السوريين ففي كل عام تجود الذكرى بحكاية كفاح وطني ما هان ولا استهان يوما في طلب الحرية و الكرامة وترسم الخطى الوطنية و القومية على إيقاعات واعدة بإسناد إلى معطيات التاريخ والجغرافية.
فمن ارض سورية انطلقت شعلة الفكر القومي وفيها نبتت بذوره الأولى متجذرة في أعماق الأرض العربية وفيها انطلقت مواكب التحرر من ربقة الاستعمار قديمة و حديثة ومنها انطلقت الدعوة إلى القومية العربية ليجسدها بالقول والفعل ظهور حزب البعث العربي الاشتراكي متجاوبا مع وقع أقدارها في حمل هموم أمتها العربية والدفاع عن مصالحها لتضيف إلى صفحات تاريخها الطويل وأمجادها الحضارية تاريخا وضاء بالتضحيات و أكثر مضاء في تعزيز مكانة سورية قلعة العروبة وقلبها النابض صامدة في وجه التحديات وأكثر استلاما لمتطلبات الآتي وهاهي سورية نعيش مجددا مع إطلالة عام جديد ذكريات السابع من نيسان حين قرر السورين أن يدخلوا التاريخ من بوابات عصر جديد وإنشاء تنظيم سياسي يحمل أسما وموقفا بعث وجود أمة وإخراجها من متاهات تغيبها القومي من ألف عام ومن استعصاءات التخلف و الجهل امتدت لقرون حال دون الإمساك بمصادر قوة ابناءها ووحدتهم لغة وتاريخا ووجودا وتراجعهم عن ركب التقدم
وفي ظروف عاشها العرب تحت وطأة الحربين العالمين ومطالب إستراتيجيات استعمارية عملت على إبقاء المنطقة العربية تترجرج في بحار التنافس عليها وعلى ثرواتها ومصيرها خرج البعث ليعاكس هذا التيار مؤسسا للبديل القومي والخروج عن صورة ناجزه فبركها الغرب الاستعماري لإبقاء الأمة العربية عالقة بين ثنائيات الحس الإمبراطوري بثوبه الجديد وبربريته إن ولادة البعث لم تكن حدثا عاديا في تاريخ سورية المعاصر إنما كانت استجابة طبيعية لكل ما يمر في صدور أبناء سورية من نزوع نحو التحرر والاستقلال وطلب السيادة ولكل ما في نداءات التاريخ العربي من ضرورات وحتميات .
البعث حامل المشروع القومي: فقد جاء انبلاج فجر حزب البعث العربي الاشتراكي كأول حركة قومية حاملة للمشروع العربي في مطلع الأربعينات من القرن الماضي على يد مؤسسيه الأوائل وحينها وكما كتب الرفيق جورج صدقي
1ـ العرب أمة واحدة
2ـ للعرب زعيم واحد يتجلى من إمكانيات الأمة العربية ويمثلها ويعبر عنها أصدق تعبير
3ـ العروبة وجداننا القومي ومصدر المقدسات عنه تنبثق المثل العليا و بالنسبة إليه تقدر قيم الأشياء .
وفي العام 1943 صاغت المجموعة الثانية باسم حزب البعث العربي مبادئها وأهدافها وغاياتها تحت شعار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ووضعت المصالح العربية العليا فوق المصلحة القطرية وتحرير العرب في صدارة أولوياتها ومن أبرز ما جاء في النص الحرفي للكراس الذي وزع على أربعة أقسام تضمن 23 مادة من أبرزها:
1ـ حزب البعث العربي هو حزب عربي ليس في اسمه وفيومية العربية في سبيل النهضة الحديثة الشاملة وبعث الرسالة العربية الخالدة.
3ـ الفكرة القومية هي الإيمان العميق بأن الشعب العربي عريق بين الشعوب في نبله وتعشقه للحرية وإن له عبقرية خاصة وحيوية متجددة تحفزه باستمرار إلى إظهار نشاطه وكفاءته في أعمال الفكر والعمران وميادين البطولة ليكشف عن عبقريته ويثبت شخصيته على أكمل صورة تتمثل فيها الإنسانية جمعاء
لقد كان انعقاد المؤتمر التأسيسي من 4ألى علامة بارزة في تاريخ 6 نيسان 1947 انبثاق الحزب ليأخذ في 7 نيسان من عام 1947 اسم حزب البعث العربي ،ويدخل معترك السياسة الوطنية و القومية حزبا ثوريا على المستوى الداخلي و العربي
وقف الحزب بقوة وجه التبعية والأنظمة الحاكمة في سورية والتواءاتها الخارجية لاسيما في مرحلة الانقلابات التي شهدتها سورية مابين عامي 1949 ـ1958 وتصدى لطبقة الاقطاعيين والمستغلين والكبار الرأسماليين مدافعا ومنحازا للطبقات الشعبية الكادحة ومنع استغلالها ولم يكن بأقل منها مواقفه العربية فكان أول من دق ناقوس الخطر الصهيوني الداهم على الأمة جاعلا من قضية تحرير فلسطين قضية المحورية المركزية قبل وبعد استنبات الكيان الصهيوني على الأرض العربية ودعا وساهم في الجهاد الميداني والسياسي من أجل نصرة شعبها فاتحا باب التطوع أمام أعضائه الذين سقط العديد منهم شهداء ليقدموا الدرس للأجيال اللاحقة بأن الشهادة هي أقصر الطرق إلى الحرية والسيادة على طريق الحرية والكرامة.
ووقف حزب البعث الاشتراكي الذي بات يحمل هذه التسمية بعد توحده في 13 تشرين الثاني عام 1952 مع الحزب العربي الاشتراكي من واجهة التصدي للأحلاف والمشروعات الاستعمارية التي اشتدت ضغوطها ومنها حلف بغداد 1955 ولا تزال لتكبيل المنطقة ومنع العرب من إنجاز مهمات التحرر الوطني وتحقيق الوحدة العربية بوصفها السلاح الأمضى بيدهم من أجل صون ثرواتهم ومقدراتهم وصناعة مستقبلهم وتحت وهج جماهيرية الحزب وبتأثير من مواقفه كانت سورية في مقدمة العمل العربي حيال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 على خلفية تأميم قناة السويس وأكثر تأييد لها وأقدمت على نسف أنابيب التابلاين المارة عبر أراضيها وتنادى البعثيون للتطوع ومناصرة أبناء مصر في معركتهم الشرسة التي استهدفتهم في عنفوان مسارهم التحرري والخروج من عباءات التبعية الاستعمارية باستعادة السيادة على كامل مقدراتهم الوطنية و القومية وكما التحم السوريون في معركة السويس التحموا أيضا مع كفاح الجزائر وانضموا في وحدة مصر عام 1958 تأكيدا على إمكانية وضع الأهداف في أطار الفعل لتشكل فاتحة العرب لتجاوز حالة العجز والتجزئة التي ضربت جذورها الماكينة الاستعمارية أرضهم
ـ ثورة آذار: هذا الانجاز التاريخي الذي وقف خلفه حزب البعث العربي الاشتراكي أرعب الدوائر الغربية وربيبتها إسرائيل باعتباره يشكل كماشة ستطبق على كيان اصطفوه بمنطق القوة الغاشمة فصار هدنا مطلوبا تدميره فجاء الانفصال عام 1961 ليشكل ضربة في جسد دولة الوحدة ،إلا أن حركة التاريخ لم تتوقف لان الإدارة سباقة في تحديد المجرى التحرري العربي وسلاحا بيد الحزب وجماهيره العريضة لتعطي ثمارها في ثورة الثامن من آذار عام 1963 لتعيد إلى سورية والسوريين بهاء حضورها القومي وأصالة الموقف وقوة التوجه وبعد تسليمه السلطة في سورية ظل حزب البعث العربي الاشتراكي وفيا لفكرة الوحدة فحاول مجددا إقامة الوحدة في إطار اتحادي مع مصر والعراق وبدأت محادثات بهذا الاتجاه على مدى عام إلا أن الظروف وتعقيداتها في تلك الفترة حالت دون ذلك لم تتوقف المؤامرات على سورية ولا على نهجها التحرري والوحدوي وجاء عدوان 1967 ليثقل كاهل سورية في نزعها إلى التحرير بكل أبعاده وأصبح تحرير أراضيها في الجولان مطلبا لا يقل عنه تحرير الأراضي العربية في فلسطين وسيناء ولبنان والأردن
ـ حرب تشرين :ومن خلال رؤية شمولية ـ الحركة التصحيحية : وكان لابد من إزالة آثار هذا العدوان وتبعاته التي توضحت على أكثر من صعيد فكانت الحركة التصحيحية التي قادها القائد الخالد حافظ الأسد من موقعه كعضو في قيادة الحزب وتوجيهاته الوطنية و القومية منهيا بذلك عقلية العزلة والتسلط فاتحا بوابات سورية على مرحلة من الاستقرار السياسي غير مسبوقة في تاريخها ومطلوبة لانجاز مطالب تحرير الأرض والإنسان
لمطالب العصر وحقائقه كان لسورية موقفها وموقعها اللافت في إدارة دقة العمل العربي ومساراته وهذا الذي برز جليا في حرب تشرين التحريرية عام 1973 حيث خاضت سورية ومصر بدعم عربي أروع معارك التحرير مهنية بذلك أسطورة الجيش الذي لا يقهر وغيرت في المعادلات الإقليمية والدولية
وهاهي سورية اليوم تفتح دروبها للمستقبل وفي ظل البعث وقيادته تزداد قوة وممانعة في مسيرة استثنائية لا تزال تتقدم صعودا محتفية بثوابتها ومبادئها القومية انتصارا كحقوقها الوطنية والقومية وأكثر تطلعا للامساك بمقادير المستقبل
لقد أكد السيد الرئيس بشار الأسد أن الانتصار لتحرير الإدارة ليست كلمات مجردة عن فعلها ومفاعيلها وهي بذهن وعقل سورية حاضرة في ترسيم خطواتها السياسية فعلا في الأحداث ونهجا ثابتا كونه وحده يقود إلى الانتصار وتحقيق الذات القومية والحضارية لأي أمة ولأي شعب .
فسورية في عهدة البعث قيادة وحزبا عرفت كيف تدير الدفة وتحفظ بوجودها وتراثها محتفية كل عام بأعظم ما تحقق لها حين جعلت الإرادة بعيدة عن الانتهاك مديدة لكل ما هو في النضال من مناعة على الاستسلام
فلقد توحدت هذه الإرادة ذاتيا مع نفسها والتحمت وتوحدت مع ديناميات استمرار الكفاح القومي لتبرهن في كل مرة أن التاريخ تصنعه الشعوب وبالكيفية التي تبقى قضاياها المصيرية قيد الحياة عصيبة عن التغيب أو الانتهاء.
|